ابن الأثير
28
الكامل في التاريخ
صور ، وما يتّصل بهم من الأمداد في البحر ، وأنّ ملك الفرنج الّذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه ، بعد فتح القدس ، قد اصطلح هو والمركيس ، بعد اختلاف كان بينهما ، وأنّهم قد اجتمعوا في خلق لا يحصون ، فإنّهم قد خرجوا من مدينة صور إلى ظاهرها ، فكان هذا وأشباهه ممّا يزعجه ، ويخاف من ترك الشقيف وراء ظهره والتقدّم إلى صور وفيها الجموع المتوافرة فتنقطع الميرة عنه ، إلّا أنّه مع هذه الأشياء مقيم على العهد مع أرناط صاحب الشقيف . وكان أرناط ، في مدّة الهدنة ، يشتري الأقوات من سوق العسكر والسلاح وغير ذلك ممّا يحصّن به شقيفه ، وكان صلاح الدين يحسن الظنّ ، وإذا قيل له عنه ممّا هو فيه من المكر ، وإنّ قصده المطاولة إلى أن يظهر الفرنج من صور ، وحينئذ يبدي فضيحته ، ويظهر مخالفته ، لا يقبل فيه ، فلمّا قارب انقضاء الهدنة تقدّم صلاح الدين من معسكره إلى القرب من شقيف أرنون وأحضر عنده أرناط وقد بقي من الأجل ثلاثة أيّام ، فقال له في معنى تسليم الشقيف ، فاعتذر بأولاده وأهله ، وأنّ المركيس لم يمكنهم من المجيء إليه وطلب التأخير مدّة أخرى ، فحينئذ علم السلطان مكره وخداعه ، فأخذه وحبسه ، وأمره بتسليم الشقيف ، فطلب قسّيسا ، ذكره ، ليحمله رسالة إلى من بالشقيف ليسلّموه ، فأحضروه عنده ، فسارّه بما لم يعلموا ، فمضى ذلك القسيس إلى الشقيف ، فأظهر أهله العصيان ، فسيّر صلاح الدين أرناط إلى دمشق وسجنه ، وتقدّم إلى الشقيف فحصره وضيّق عليه ، وجعل عليه من يحفظه ويمنع عنه الذخيرة والرجال .